سهيلة عبد الباعث الترجمان

718

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

- تمهيد : الحب الإلهي هو قوام الحياة الصوفيّة حيث يتعلق المحب بمحبوبه ، فيطالع فيه جمال الربوبية ، ويستمتع بجماله الأزلي ، فهو سرّ الوجود وعلته الأولى ، وهو منّة إلهية أودع اللّه بذرتها في قلوب محبيّه . والحب الإلهي ليس شطحا أو خيالا ، إنما هو ثمرة حقيقية للإيمان القوي والتدين العميق ، فينعكس أثره على حياة الفرد تهذيبا ، وعلى حياة المجتمع ارتقاء . ولا ينبغي أن يتبادر إلى الذهن أن الصوفية هم الذين ابتدعوا الحديث عن هذا الحب ، إذ أنه يستند إلى شواهد قرآنية صريحة كقوله تعالى : فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ « 1 » ويربط اللّه بين الحب وقوة الإيمان في قوله تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ « 2 » ، كما يربط تعالى بينه وبين حب الرسول وطاعته في قوله : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ « 3 » وقد شاعت لفظة الحب أول ما شاعت في أقوال الزهّاد والعباد الذين عاشوا في القرن الأول الهجري أمثال الحسن البصري ، والزاهدة العابدة رابعة العدوية وغيرهما ، فكان لهم الفضل على من جاء بعدهم من صوفية المسلمين في استخدام لفظة الحب في التعبير عن محبتهم للّه . وقد احتلت المحبة من نفوس الصوفية المحل الأرفع ، وصدّروا بها مؤلفاتهم ، فعدّها بعضهم من المقامات واعتبرها آخرون من الأحوال ، فكشفوا بذلك عن وجه الحق فيها ، تارة بكلام منظوم وأخرى بكلام منثور ، فتغنّوا بها ونظموا الأشعار الغزلية فيها ، فكان ذلك ضربا من التعبير وجدوه ملائما لحقائقهم وتصوير ما تكنّه سرائرهم من العشق والهوى . وعن هذا الحب صدرت طائفة قيّمة من الشعر الغزلي استعان به أصحابه للتعبير عما يعتمر قلوبهم من هذا الحب ، وما تتأثر به نفوسهم من المواجيد ، وما يتعاقب عليها من الأحوال . وليس من شك في أن ما يدخل من هذا الشعر في باب الغزل الإلهي لم يقصد به أصحابه الجمال الفني لذاته ، ولا الصناعة الشعرية من حيث

--> ( 1 ) سورة المائدة ، الآية : 31 م . ( 2 ) سورة البقرة ، الآية : 165 م . ( 3 ) سورة آل عمران ، الآية : 31 م .